الإمارات تمنح مصر قرض ضخم لتوفير القمح لمدة 5 سنوات.. ما المقابل ؟

64

وقعت الحكومة المصرية، ممثلة في وزارتي المالية والتعاون الدولي، وهيئة السلع التموينية، اتفاقا مع “صندوق أبوظبي للتنمية”، لتمويل واردات القمح للبلد العربي الأفريقي الذي يقطنه أكثر من 105 ملايين نسمة، بقيمة 500 مليون دولار.

شركة “الظاهرة” الإماراتية، من جانبها أبرمت مع مكتب أبوظبي للصادرات “أدكس”، ذراع تمويل الصادرات لصندوق أبوظبي للتنمية، اتفاقية شراكة مدتها 5 سنوات تبدأ من 2023، لتزويد مصر بقمح مستورد عالي الجودة، بقيمة 100 مليون دولار سنويا، بقيمة إجمالية نصف مليار دولار.

وتزرع الشركة الإماراتية، مقرها أبوظبي نحو 70 ألف فدان في مصر منها مزرعة توشكي التي تبلغ مساحتها 37400 فدان بجنوب البلاد، وتعد أكبر قطاع خاص منتج للقمح والذرة بمصر، وتوفر 85 بالمئة من إنتاج مزارعها بالسوق المصرية.

من جانبه، قال وزير التموين علي المصيلحي، إن الاتفاقية “تتماشى مع أهدافنا الاستراتيجية وتقدم لنا الدعم في توفير حزمة متكاملة لشراء قمح عالي الجودة بتكلفة قليلة مع شروط دفع ميسرة”.

ووفق نشرة “إنتبرايز”، فإن هذا أكثر مما توقعه المصيلحي، بحديثه لوكالة “بلومبيرغ” الشهر الماضي، حيث دارت المباحثات حينها عن تمويل واردات القمح بقرض قيمته 400 مليون دولار.

مصر التي كان يطلق عليها لقب سلة غلال العالم القديم، تستهلك نحو 25 مليون طن قمح سنويا، تنتج منه أراضي الدلتا والوادي حوالي 12 مليون طن يكفي البلاد 6 شهور، وتستورد الباقي من 16 منشأ أهمها: روسيا، وأوكرانيا، ورومانيا، وأستراليا، وفرنسا، وليتوانيا، وكندا، والصين.

“ما الشروط والمقابل؟”

وفي قراءتها لأهمية هذا الاتفاق ومدى قدرته على تأمين حاجة مصر مدة 5 سنوات من القمح، وعدم الضغط على رصيد البلاد من العملات الصعبة، قالت الأكاديمية المصرية الدكتورة علياء المهدي: “أفضل الاعتماد على أنفسنا وليس على غيرنا في توفير غذائنا”.

أستاذة الاقتصاد بجامعة القاهرة، وفي حديثها لـ”عربي21″، تساءلت قائلة: “في الحقيقة لا أعرف لماذا لم تكتف مصر ذاتيا من القمح؟.. ولا أعرف ما المقابل الذي ستدفعه مصر للإمارات لتوفير القمح”.

لفتت إلى أن “الشروط التي ستوفر الإمارات بناء عليها احتياجاتنا من القمح غير معروفة لنا، ولكي نستطيع تقييم الصفة فلا بد من معرفة شروط الأمر وملابساته وتبعاته”.

“أزمات خارجية”

ويأتي اتفاق الحكومة المصرية والصندوق الإماراتي في ظل حاجة البلاد الشديدة لتأمين احتياجاتها من القمح في ظل أزمات عالمية وأخرى محلية.

تتمثل الأولى في الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في شباط/ فبراير 2022، بين أكبر مصدري الحبوب بالعالم، ما أثر على أسعار القمح وتوافره وغيره من السلع.

ثاني الأزمات الدولية خروج موسكو من اتفاقية تصدير الحبوب مع كييف، في 17 تموز/ يوليو الماضي، ما يمنع أوكرانيا من توصيل محاصيلها إلى البلدان المستوردة ومنها مصر، التي لم تكن ضمن 6 دول أفريقية تعهد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصدير الحبوب إليها مجانا.

أما ثالث الأزمات العالمية، فيتمثل في احتمال تضاعف أزمة إتاحة السلع الغذائية عالميا بفعل تفاقم التأثير الضار لموجة “النينيو” شديدة الحرارة على المحاصيل الزراعية، وبالتالي ضعف الإنتاج وارتفاع أسعارها وتضرر الدول الفقيرة وبينها مصر.

ورابعا، يأتي قرار الهند بحظر صادرات الأرز الأبيض، في زيادة الضغوط على أسواق القمح والأرز المحلية في الأشهر المقبلة، بحسب ما قالت المحللة الأولى في “ستاندرد أند بورز غلوبال” ياسمين غوزي، في منشور على لينكد إن.

“أزمات داخلية”

وتتمثل الأزمات الداخلية، في عجز القاهرة عن توفير العملات الصعبة لاستيراد السلع الاستراتيجية كالقمح والذرة والزيوت والأرز والوقود، بالتزامن مع تراجع قيمة عملتها المحلية لأكثر من النصف منذ ربيع العام الماضي، بجانب تفاقم ضغوط خدمة ديون خارجية تعدت الـ165 مليار دولار بنهاية الربع الأول من 2023.

وفي أيار/ مايو الماضي، أكدت وكالة “رويترز”، على لسان مسؤولين حكوميين وتجار ومستوردين أن الحكومة المصرية ثاني أكبر مستورد للقمح بالعالم قررت تأجيل سداد ثمن وارداتها من القمح منذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي، بفعل أزمة شح الدولار.

وأشارت الوكالة الإنجليزية إلى وجود شحنات قمح ما زالت بالسفن والموانئ المصرية تحتاج لدفع ثمنها بالعملة الأمريكية، وأنه بفعل أزمة شح الدولار هناك 11 شحنة لم تدفع القاهرة ثمنها، بجانب الحاجة لفتح خطابات اعتماد لـ8 شحنات أخرى.

وتواصل الحكومة المصرية في الشهور الأخيرة تقديم طلباتها لمؤسسات التمويل الدولية للحصول على تمويل لشحنات القمح وبينها البنك الدولي، والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة.

ووفق ما نقله موقع “البورصة” المحلي، في 13 آب/ أغسطس الجاري، فإن الحكومة المصرية تدرس استيراد القمح من رومانيا بنظام الصفقات المتكافئة، وهي إحدى الأنظمة التجارية لتبادل الدول سلعا مقابل سلع، لتأمين مخزونها من الحبوب ورفع الضغط على رصيد العملة الأجنبية.

واشترت هيئة السلع التموينية الشهر الماضي 360 ألف طن قمح، من بينها 60 ألف طن قمح روماني، والباقي من ورسيا بأسعار تراوحت بين 249 و250 دولارا للطن فيما مولت الصفقة المؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة.

“اتفاق هام.. ولكن”

وفي تقديره لأهمية الاتفاق، ومدى اعتباره حلا عاجلا لأزمة توريد الغذاء ونقص الدولار بالبلاد، يعتقد الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالنبي عبدالمطلب، في حديثه لـ”عربي21″، أن له أهمية كبيرة.

وقال إن “اتفاق مصر مع الإمارات أو مكتب أبوظبي للصادرات لتوفير القمح أو ما قيمته من 100 مليون دولار من القمح بشكل سنوي مدة 5 سنوات، بلا شك يقلل الضغوط على طلب العملة الصعبة للوفاء بالاحتياجات الضرورية للحكومة المصرية وفي مقدمتها القمح”.

وأضاف أنه “على الجانب الآخر يمكن النظر في هذا الاتفاق كأن به نوعا من المساعدة من أبوظبي للقاهرة دون أن يكون هناك اعتراض من المؤسسات الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي”.

وأوضح أنه “بهذا الشكل ستكون المسألة أمامهم صفقة تجارية بحتة يتولى مكتب أبوظبي للصادرات شراء القمح من الأسواق العالمية ثم إعادة بيعه لمصر طبقا لآلية دفع يتم الاتفاق عليها، أي أنه عمل تجاري بحت، وبذلك تضمن مصر توفير جزء من احتياجاتها من القمح بشكل مستمر وطبقا لآليات دفع لا ترهقها”.

وعن الطريقة التي ستحصل بها الشركة والصندوق الإماراتي على حقوقهما مقابل توريد القمح لمصر، يعتقد وكيل وزارة التجارة والصناعة للبحوث الاقتصادية، أنه “سيكون هناك اتفاق ولكنه ميسر، بحيث تحصل الإمارات أو صندوق أبوظبي على الحقوق المترتبة على توريد القمح طبقا لآليات قد يتم الاتفاق عليها ولا تكون مسببة لمشاكل أو ضغوط لمصر”.

وأضاف: “واضح أن الدول العربية تساعد مصر لتوفير الاحتياجات الأساسية والغذاء للمصريين”، مشيرا إلى أهمية “توفير الغذاء للشعوب”، متوقعا وجود “رغبة عربية بهذا”، لافتا إلى أنه “في ظل الظروف العالمية الحالية هناك صعوبة لعودة المساعدات المباشرة”.

وأكد أن “المسألة ليست تجارية بحتة وكما قلنا بها نوع من المساعدة، خاصة وأن مصر تسند لصندوق أبوظبي مهمة توفير القمح بنسبة ليست كبيرة، ونتحدث عن 100 مليار دولار بشكل سنوي من واردات مصر من القمح التي تتجاوز الثلاثة مليار دولار”.

ولهذا يرى الخبير المصري أن “طريقة الوفاء أو حصول الإمارات على حقوقها مقابل تلك الصفقة سيتم الاتفاق عليه بشكل كامل ومفصل بما يضمن للصندوق والشركة الإماراتيتين حقوقهما، وبما يضمن عدم الضغط على الاقتصاد والجنيه المصريين”.

وعن تبعات هذا الاتفاق، ومدى وجود انعكاسات سلبية قادمة محتملة كأن يزيد حجم الديون الخارجية وبالتالي خدمة الدين، أكد عبدالمطلب، أن الاتفاق بالفعل يزيد من حجم الديون، برغم رؤيته السابقة بأنه بالصفقة نوع من المساعدة والتيسيرات المقدمة لمصر.

وقال إنه “في النهاية نوع من أنواع الدين، ومن المؤكد أن يتبعه رسوم وفوائد، وهي أمور غير واضحة حتى الآن، لكنه يزيد رصيد وأعباء الدين على مصر”.

“لهذا يفشل الاكتفاء”

وفي تقديره لأسباب عجز مصر عن الاكتفاء من القمح كسلعة استراتيجية لأكثر من 105 ملايين مصري رغم إعلانها عن مشروعات زراعية عملاقة مثل استصلاح 1.5 مليون فدان، والدلتا الجديدة، وغيرها، أكد الخبير المصري أن “الاكتفاء الذاتي من القمح موضوع كبير وفيه جزء من مسؤولية السلطة عبر التاريخ”.

وأضاف: “ربما من عهد الرئيس جمال عبدالناصر (1956- 1970)، حيث أبدت أمريكا وكندا وفقا للقانون الأمريكي (رقم 480) والخاص بفائض الأغذية استعدادهما لتقديم القمح لمصر بالمجان لعشرات السنين مقابل عدم التوسع بزراعته، ما يعني أن المسألة بالنسبة لهم حياة أو موت برغم العداء بين الأمريكان ونظام ناصر”.

أكد عبد المطلب، أنه “حتى هذه اللحظة هناك أصحاب مصالح وبعض النافذين عبر العصور في مصر والعديد من الدول بينهم ترابط مصالح يبررون عدم الرغبة في الاكتفاء الذاتي من القمح وزيادة المساحة المحصولية المزروعة بدعوى أن تكلفة إنتاجه أعلى من تكلفة استيراده”.

وأعرب عن أسفه من أن “مسألة الاكتفاء الذاتي من القمح غير مطروحة على الإطلاق، وتثار في أوقات الأزمة ومع انتهائها يتم دفن الحديث وغلق الملف”.

وعند تدشين رئيس النظام عبدالفتاح السيسي، في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2015، مشروع زراعة مليون ونصف فدان في 8 محافظات مصرية بالتعاون مع الجيش كان الهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل، وتغطية 80 بالمئة من احتياجات القمح ذاتيا بحلول عام 2018، وفق تصريح وزير الزراعة عصام فايد، حينها، وهو ما لم يحدث.

“خبر مزعج”
وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، أثارت الصفقة غضب بعض السياسيين والكتاب والمتابعين، الذين اعتبروها قرضا جديدا يزيد من أعباء البلاد.

وقال السفير المصري محمد مرسي، عبر صفحته بـ”فيسبوك”: “أزعجني الخبر، وزادني دهشة وانزعاجا تعليقات وزرائنا عليه”، في إشارة إلى إشادتهم بالاتفاق.


بينما ذهب الكاتب شريف حلمي، والمتابعة صفاء عز عبر صفحاتهم بـ”فيسبوك”، إلى التوقع أن يكون القمح الذي ستورده الشركة الإماراتية إلى مصر مزروعا من الأساس في أرض مصر.

وقال الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نوار، عبر “فيسبوك” إنه “من المحتمل أن يتم شراء القمح من مزارع الإمارات”، ومع ذلك فقد اعتبر نوار، أن بالصفقة “تسهيلات أمرت بها القيادة الإماراتية لمساعدة مصر على توفير رغيف الخبز للمواطنين”، مشيرا إلى أن “شروط الاتفاق بالكامل لم يتم إعلانها”.


“أرقام خبز المصريين”

ووفق بيانات مجلس الوزراء المصري مطلع أيار/ مايو الجاري، فإن الحكومة تقوم بصرف رغيف الخبز المدعم لـ71 مليون مصري على بطاقات التموين بـ 5 قروش.

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، إن جملة ما تنتجه مصر من الخبز يوميا، حوالي 275 مليون رغيف، وأن المصريين يستهلكون نحو 100 مليار رغيف سنويا.

ومطلع أيار/ مايو الجاري، أكد مساعد وزير التموين إبراهيم عشماوي، أن منظومة الخبز هي الأكبر بالدولة، وأن الرغيف يكلف الحكومة 90 قرشا ويباع للمواطن بـ5 قروش، وأنها تدعم الخبز بـ92 مليار جنيه (نحو 3 مليارات دولار).

وقال وزير المالية محمد معيط، لموقع “الشرق بلومبيرغ في حزيران/ يونيو الماضي، إن واردات القمح ستكلف موازنة العام الحالي 3 مليارات دولار، إذا ظلت الأسعار عند مستوياتها الحالية.

مشاركة