تحقيق يؤكد تجسس الإمارات على الوافدين والسياح بتقنيات صادمة

1600

أبو ظبي- نشر موقع “إمارات ليكس” تحقيقا كشف استخدام الإمارات تقنيات صادمة للتجسس على السياح والوافدين إليها وما يتخلله ذلك من انتهاكات ووقائع تعسفية بحق المئات منهم.
وصدم الممثل والمخرج المسرحي السوداني الرشيد أحمد عيسى خلال زيارته إلى الإمارات قبل أيام بتوقيفه وتوجيه تهمة التخابر لجهة أجنبية بعد أن تم التجسس على هاتفه المحمول.
ووصل عيسى إلى الإمارات بدعوة رسمية للمشاركة في افتتاح الدورة السادسة لمهرجان (كلباء للمسرحيات القصيرة)، إلا أنه وقبل يومين من الافتتاح، تم استدعاءه من قبل جوازات الشارقة.
ولدى مقابلته للضابط المسؤول، قال له: “أنت مُبعد من البلاد، عليك أن تغادر خلال اسبوع، والآن ستذهب للتوقيف حتى يأتي ضامن”. وعندما سأل الرشيد عن السبب، قيل له: “نحن جهة تنفيذية فقط”.
لاحقا عرف عيسى أنه تم التجسس على هاتفه واستخدام مكالمة أجراها مع ممثل قطري – لتقديم عرض مسرحي في الدوحة- بغرض توجيه اتهام له بالتخابر لجهة أجنبية رغم عدم ثبوت أي شيء عليه.
وعكست الواقعة مدى القمع الذي تمارسه الإمارات.
كما أنها كرست حدة التعامل البوليسي غير المسبوق الذي تمارسه الإمارات والتجسس بطرق غير قانونية على السياح الوافدين إليها لأي غرض كان حتى لو بأهداف سياحية.
ومنذ مطلع القرن الحالي، تفردت إمارة أبو ظبي بربط شبكات تجسس رقمية لتعقب تحركات الجميع، فأنشأت أنظمة مراقبة لا تستثني أحداً من أفراد ومؤسسات ومبان وشوارع، أشهرها نظام “عين الصقر” الذي أعلنت عنه أبوظبي العام الماضين والذي أنفقت عليه بسخاء لترسيخ العبارة المتداولة “الإمارات بلد الأمن والأمان”، لكنه في الحقيقة يعني أنها باتت تملك بنية تحتية للتجسس في جميع أنحاء البلاد.
وسبق أن تم الإعلان عن إلزام جهاز أمن الدولة الاماراتي فنادق دبي بتركيب كاميرات داخل غرف نوم الفنادق وظيفتها التجسس على المقيمين والسياح في الفنادق ورصد كل أنشطتهم أولا بأول فيما في ذلك حتى في الطرق والسيارات.
وروي شاب مصري رفض ذكر اسمه لحساسية قضيته، تعرض لانتهاكات واسعة في إمارة دبي خلال محاولته قضاء إجازة قصيرة مع اثنين من أصدقائه.
وقال هذا الشاب إنه تم احتجازه بعد ثلاثة أيام من وصوله إلى دبي من داخل الفندق الذي كان يقيم فيه ومعاملته بشكل تعسفي على إثر اختراق هاتفه المحمول والتجسس عليه.
وتم توجيه تهم أمنية بينها التخابر للشاب المصري الذي اكتشف أن مكالمة مع صديق إيراني له كانا تعاونا في مجال التجارة أجراها من دبي قادته فورا إلى شبه الاتهام.
واستغرق توضيح موقف هذا الشاب المصري عدة أيام بعد أن عانى الأمرين خلال احتجازه من معاملة مهينة وغير إنسانية عوضا عن أنه تم ترحيله بشكل قسري.
حدث مماثل عانته عائلة سورية بعد أن وصلت دبي للسياحة قبل أن تنقلب قصتها في الإمارات إلى مأساة حقيقة باحتجاز رب العائلة وهو رجل أعمال يدير تجارته في تركيا ودول أوروبية.
وروي مصدر من العائلة أن رجل الأعمال المذكور تم احتجازه لأكثر من أسبوع بعد أن تم التجسس على هاتفه واستخدام مكالمات أجراه مع مساعدين له في أنقرة لتوجيه تهم أمنية لها.
تكرر أمر الاحتجاز التعسفي ومن ثم الترحيل المهين مع العائلة السورية التي صدمت من حدة قسوة التعامل الأمني معها والتجسس على أبسط خصوصياتها دون أي سند قانوني أو قضائي.
وتعد الشهادات بالمئات لوافدين جرى التعسف بهم في الإمارات بسبب التجسس رغم التكتم الذي تحرص السلطات الإماراتية على إحاطة هذه الوقائع به لمنع المزيد من تلطخ سمعتها وتراجع السياحة إليها.
وكشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية عن تعاقد أجهزة الأمن الإماراتية مع شركات أمنية إسرائيلية لاختراق أجهزة الهواتف الذكية بهدف التجسس على الوافدين إليها ومسئولين خارج الدولة، إضافة إلى التنصت على عدد من السياسيين والصحافيين وشخصيات معارضة ومثقفة.
وبحسب الصحيفة، فقد استخدم حكام الإمارات برنامج التجسس الإسرائيلي، محولين بشكل سرّي الهواتف الذكية للمعارضين في الداخل والخصوم في الخارج إلى آلات مراقبة.
وتعمل تكنولوجيا برنامج التجسس هذا من خلال إرسال رسائل قصيرة للهاتف المستهدف، على أمل اصطياد صاحب الهاتف إذا قام بالنقر على الرسالة. فإذا فعل ذلك، يجري تحميل البرنامج، المعروف باسم “بيغاسوس”، بطريقة سرية، ما يسمح للحكومات بمراقبة الاتصالات الهاتفية، والبريد الإلكتروني، ولائحة الأسماء الموجودة على الهاتف، وحتى المحادثات المباشرة (وجهاً لوجه) التي تتم في مكان قريب من الهاتف.
وبالنسبة لحالة الإمارات، تظهر الوثائق المسربة أن شركة التجسس اقترحت رسائل معينة لـ”اصطياد” المستهدفين، وذلك “على مقاس” منطقة الخليج، كمثل “رمضان اقترب – تخفيضات هائلة”، أو “احم إطارات سيارتك من الحر”.
في مارس الماضي قال موقع ميدل إيست البريطاني إن شركة “دارك ماتر” وهي واحدة من أبرز شركات الأمن المعلوماتي في العالم قررت الخروج عن صمتها وكشف قيام الحكومة الإماراتية بالتجسس على المواقع الإلكترونية والهواتف الذكية لكافة المقيمين.
وأوضح الموقع أن الخلاف الذي وقع بين “دارك ماتر” والإمارات كشف التقنيات والأجهزة التجسسية التي تستعين بها أبو ظبي منذ بدء احتجاجات الربيع العربي.
وقال المدير التنفيذي ومؤسس الشركة فيصل البناي في مقابلة مع وكالة “أسوشيتد برس” بمقر الشركة في أبو ظبي إنه عمل على تبرئة ذمة الشركة من أي مسؤولية مباشرة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة في الإمارات.
وكان “دارك ماتر” توصف بـ”الشريك الاستراتيجي للحكومة الإماراتية” وسعت على الدوام للمحافظة على الصبغة التجارية رغم شغل أبو ظبي لـ 80 بالمئة من قاعدة عملائها.
وكشف خبير أمن إيطالي شارك في مقابلة عمل مع الشركة عام 2016 أن “دارك ماتر” متجذرة في نظام الاستخبارات الإماراتي وتعلب دورا رقابيا كبيرا.
وأورد “ميدل إيست آي” شهادة لسيمون مارغاريتيلي وهو قرصان إنترنت سابق قال إنه وخلال مقابلة عمل مع “دارك ماتر” أبلغ بنية الإمارات تطوير نظام مراقبة قادر على اعتراض وتعديل وتحويل حركة عناوين بروتوكولات الإنترنت للأجيال الثاني والثالث والرابع.
وأوضح أنه عرض عليه راتب مغر يصل إلى 15 ألف دولار بالإضافة إلى إعفائه من الضرائب لكنه رفض لتعلقه بأسباب أخلاقية.
وكشف تحقيق لموقع “الانترسبت” الأمريكي مع بعض المصادر داخل الشركة بأنها كانت تسعى بكل جدية لاجتذاب قراصنة الانترنت ذوي المهارة العالم حول العالم لتكليفهم بمهام مراقبة وشن هجمات.
ولفتت إلى أن الإمارات قامت برسم خطط لاستغلال المجسات الثابتة في أجزاء أنظمة الحاسوب داخل المدن الكبرى لتتيح لها إمكانية تتبع ومراقبة أي شخص داخل الإمارات ومعرفة مكانه وتوقيت اختراقه إلكترونيا.
وأقرت الإمارات عام 2012 أحكاما غامضة توفر مخارج قانونية لاعتقال أي شخص ينتقد نظامها عن طريق الإنترنت.
وجاءت هذه القوانين بعد فترة وجيزة من تشكيل الهيئة الوطنية للأمن الإلكتروني في الإمارات والتي تتولى مسؤولية توفير الحماية الإلكترونية، وقد بدأت العمل مؤخراً بالتوازي مع وحدة الأمن السيبراني التابعة للقوات المسلحة الإماراتية، والتي تم إنشاؤها خلال عام 2014..
وعملت شبكة من الهيئات الحكومية الإماراتية وصناعات الاتصالات السلكية واللاسلكية، التي تتحكم فيها الدولة، بالتنسيق مع الشركات المصنّعة للأسلحة الدولية وشركات الأمن السيبراني، على تحويل تكنولوجيات الاتصالات السلكية واللاسلكية إلى أدوات مركزية تساعد على فرض السيطرة الاستبدادية.
وخلال عام 2016، أعلن مسؤول من شرطة دبي أن السلطات تراقب المستخدمين عبر 42 منصة تواصل اجتماعي مختلفة، في حين تفاخَر متحدث رسمي باسم الهيئة العامة لتنظيم قطاع الاتصالات، بأن جميع الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت عرضة للمراقبة من طرف الوكالات المعنيَّة بالأمر.
وأدت هذه الإجراءات إلى اعتقال عشرات الأشخاص لمجرد انتقادهم الحكومة الإماراتية على مواقع التواصل الاجتماعي وتم إخفاء بعضهم بشكل قسري فضلا عن تعرضهم للتعذيب في العديد من الحالات.
وأشار “ميدل إيست آي” إلى أن شبكة سماسرة دولية في مجال الأمن السبراني أقامت البنية التحتية لجهاز المراقبة الإماراتي وجنت أرباحا طائلة بعد تزويدها أبو ظبي بالأدوات اللازمة لتأسيس نظام مراقبة حديث.
وبحسب تقرير الموقع البريطاني فإن الشركات العسكرية البريطانية وجدت لها موطئ قدم في “دولة المراقبة بالإمارات” وخلال العام الماضي ظهر أن شركة “بي إيه إي سيستمز” كانت تستخدم شركة فرعية دنماركية تُدعى “إي تي آي”، لتصدير تقنيات المراقبة إلى الإمارات وأنظمة أخرى بالمنطقة.
ولفت إلى أن أبو ظبي شهدت إطلاق نظام “فالكون آي” وهو نظام مراقبة مدني مثبت من قبل إسرائيل وكشف مصدر مقرب من الشركة المنتجة له أن هذا النظام يتيح للإماراتيين مراقبة أي شخص من لحظة خروجه من منزله إلى حين عودته.
وأشار إلى أن “فالكون آي” يسمح بتسجيل أنماط العمل والحياة الاجتماعية والسلوك وتحليلها وحفظها ورغم خيالية الأمر إلا أنه يحدث في أبو ظبي.
وكشف الموقع البريطاني عن دفع أبو ظبي مليون دولار مقابل الحصول على برنامج يسمح باختراق جهاز آيفون وقدمته شركة “مجموعة إن أس أو” ومقرها في إسرائيل.
وأبرز من تم اختراق هواتفهم الآيفون كان الناشط أحمد منصور والذي قالت وسائل إعلام عالمية عنه إنه “المنشق الذي تبلغ قيمته مليون دولار”.
وأشارت “دارك مارت” إن الإمارات تعمل حاليا على بناء نظام مراقبة خاص علاوة على عمليات تطوير أنظمة المراقبة للدولة البوليسية للقرن الـ 21.
وبعد اندلاع الثورات العربية عام 2011، دخلت دولة الإمارات مجالاً أمنياً شائكاً، يرى كثيرون أنه يتناقض مع بيئتها الاجتماعية ونظام الحكم القائم على تقاسم إدارة الدولة منذ اتحادها سنة 1971.
والحملة الأمنية التي شنها جهاز الأمن الإماراتي بتوجيه من محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي والقائد العام للقوات المسلحة، اعتبرها البعض بداية تصفية حسابات جهات نافذة في الدولة وأجهزتها الأمنية مع ما يعرف بالتيار الإصلاحي.
لكن هذه الحملة توسعت لاحقاً لتشمل أكاديميون وأطباء ومهندسون وحقوقيون لا علاقة لهم بـ”الإصلاح”، وقد رافق الحملة صمت مطبق من قبل باقي شيوخ الإمارات.
هذا الصمت دفع بن زايد لإنشاء منظومات مراقبة أمنية تهدف إلى توسيع نفوذه وتفرده بالحكم بعد تقييد حرية باقي الشيوخ وأبنائهم بوسائل أمنية بدأت تحت ذريعة الحماية من الإرهاب.
ومع انتفاض الشارع العربي ومطالباته بالتغيير، وتهاوي بعض أنظمة الحكم، شنّت أبوظبي حملات أمنية واسعة داخلياً، وبدأت بالتوسع خارجياً. واستجلبت خبراء وشركات أمن إلكتروني ومعلوماتي من مختلف أنحاء العالم؛ لضبط إيقاع الشارع الإماراتي ومحاولة تحصين نظام الحكم في الدولة.
كما أنه مؤخرًا سنت السلطات الإماراتية قانونًا يمنع المقيمين على أراضيها من استخدام الشبكات الافتراضية، حيث يعطي القانون الحق للدولة في ملاحقة أي شخص يثبت استخدامه لبرامج الـ “VPN” المختلفة المستخدمة في تجاوز الحجب من على المواقع. عقوبة هذا الأمر بحسب القانون الجديد هي الحبس أو الغرامة التي قد تصل إلى ما بين 500 ألف درهم إماراتي ومليوني درهم، وهو ما يعادل أكثر من 100 ألف دولار أمريكي إلى 500 ألف دولار.
وفي أبريل/نيسان 2018، نشر تلفزيون “CBC News” الكندي تقريراً أبرز فيه أن دولة الإمارات تستخدم برامج تجسس كندية لمراقبة الناشطين الحقوقيين، وسط مطالبات حقوقية بوقف تصدير تلك التكنولوجيا لأبو ظبي في ظل سجلها سيئ السمعة في حقوق الإنسان.
ونبّه التلفزيون الكندي إلى قضية أحمد منصور الناشط في مجال حقوق الإنسان المعتقل في سجن إماراتي، ويحاكم الآن بتهمة تتعلق بقانون الجرائم الالكترونية “سيئ السمعة”.
كما كانت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” كشفت في يونيو/حزيران العام الماضي ما قالت إنه صفقات بين شركة “بي ايه إي سيتمز” البريطانية ودول عربية، تم بموجبها بيع أنظمة تجسس وفك شيفرات لكل من السعودية والإمارات؛ لذلك تصف منظمة الخصوصية الدولية خطط المراقبة التي تطبقها الدولتان بالمخيفة للغاية، وأن البنية التحتية مصممة لمراقبة جميع الأشخاص والأجهزة في البلاد.
وتضمن التحقيق مقابلات مع خبراء في الأمن الإلكتروني ومنظمات حقوقية أجمعوا على الأعراب عن مخاوفهم الشديدة من إمكانية استخدام هذه التكنولوجيا المتطورة في التجسس على ملايين الناس أو قمع أي شكل من أشكال المعارضة في الإمارات.

مشاركة