الاقتصاد السوري يواجه كارثة، ولا خيار للأسد سوى قبول الحل الذي رفضه لسنوات

90
انهيار متواصل للعملة السورية

انهيار متواصل تسجله الليرة السورية، بالتزامن مع التدافع لشراء الدولار في البلد الذي تضرر بشدة من الحرب التي تشن منذ سنوات ، ويواجه نقصا حادا في النقد الأجنبي، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية، وعلى وقع التظاهرات الغير مسبوقة ضد نظام الأسد في المناطق الموالية.

كشفت صحيفة New York Times  الأمريكية، الثلاثاء، في تقرير لها، عن تفاصيل اجتماع غير معلن بين رئيس النظام السوري الأسد وصحفيين موالين له؛ لمناقشة الأوضاع الاقتصادية المتأزمة في البلاد.

في اللقاء الذي نقلت وقائعه الصحيفة الأمريكية، سُئل بشار الأسد عن الأزمة الاقتصادية السورية التي تتمثل أبرز مظاهرها في: انهيار العملة المحلية الذي استنزف قيمة الرواتب، والارتفاع الهائل في أسعار السلع الأساسية، والعجز المزمن في إمدادات الوقود والخبز.

وأشارت  صحيفة The New York Times الأمريكية إلى أن بشار الأسد، ورغم علمه بواقع الأزمة الاقتصادية السورية الحادة، لم يقدِّم أي خطوات ملموسة لوقف تلك الأزمة، واكتفى بطرح فكرة، مفادها: يجب على القنوات التلفزيونية إلغاء برامج الطهي؛ حتى لا تزعج السوريين بصور طعام بعيد المنال!

وترى الصحيفة الأمريكية أنه مع اقتراب الذكرى السنوية العاشرة للثورة السورية وما تبعها من حرب بين النظام ومعارضيه في سوريا، فإن التهديدات الأشد خطراً على بشار الأسد ليست فصائل المعارضة ولا القوى الأجنبية التي لا تزال تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد، بل الأزمة الاقتصادية السورية الطاحنة التي أعاقت إعمار المدن المدمرة، وفاقمت فقر السكان، وتركت عدداً متزايداً من السوريين يعانون للحصول على ما يسدون به رمقهم.

جاء الاجتماع الخاص الذي عقده بشار مع صحفين سوريين موالين له الشهر الماضي، دون إعلان سابق، ليقدّم نظرة نادرة صريحة على الأسد الذي بدا منفصلاً عن واقع الأزمة الاقتصادية السورية التي تكوي نيرانها شعبه، وعاجزاً عن فعل أي شيء حيالها.

يشير التقرير إلى أن بشار، حتى وهو يتحدث في اجتماع خاص من تنظيمه، ظل متمسكاً بدعاواه المبتذلة التي لطالما اتسمت بها خطاباته العامة، حتى بعد أن بلغت الأزمة الاقتصادية السورية هذا المدى المفجع.

فبينما كان يرتدي بذلة سوداء ويتحدث بطريقة الأستاذ الجامعي، أعاد بشار توجيه اللوم إلى مجموعة من القوى الأجنبية فيما تعانيه سوريا من ويلات، وهذه القوى هي: “وحشية” الرأسمالية العالمية، و”غسيل المخ” من قبل وسائل التواصل الاجتماعي، وتيار مبهم سماه بتيار “الليبرالية الحديثة” الذي ما انفك يقوّض قيم البلاد. وبالطبع، لم يفُته أن يؤكد للصحفيين أن سوريا لن تقيم سلاماً مع إسرائيل ولن تقنن زواج المثليين.

نقلت تعليقات الأسد خلال اللقاء عبر ما نقله مصدرٌ خاص لصحيفة The New York Times، وما ورد إليها من تأكيدات مباشرة لتفاصيل اللقاء من أحد الحاضرين.

الليرة السورية تتحول إلى ورقة للف السجائر

وجاء هذا في وقت يمر فيه الاقتصاد السوري بأسوأ مراحله منذ عام 2011، حيث هبطت الليرة إلى مستوى قياسي، هذا الشهر، مقابل الدولار الأمريكي في السوق السوداء، ما أدى إلى انخفاض قيمة الرواتب وارتفاع تكلفة الواردات.

في مؤشر على استفحال التضخم، أصدر مصرف سوريا المركزي، في 24 يناير/كانون الثاني 2021، عملة جديدة بقيمة 5000 ليرة سورية، وأعلى قيمة سابقة كانت ألفي ليرة، وانخفض سعر الصرف غير الرسمي لليرة السورية بنسبة 4% الشهر الماضي مقارنة بديسمبر/كانون الأول 2020، حيث وصل إلى 2899 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي، كانت قيمة الليرة السورية مقابل الدولار قبل الحرب، نحو 50 ليرة لكل دولار.

قيمة الليرة السورية متدنية جداً لدرجة أن الناس نشروا صوراً على وسائل التواصل الاجتماعي لأوراق نقدية تستخدم في لف السجائر قبل عدة أشهر، حسبما ورد في تقرير آخر لصحيفة New York Times.

إغلاقات كورونا أدت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية السورية/رويترز

تعاني الحكومة ضائقة مالية لدرجة أنها تضغط على رجال الأعمال الأثرياء للمساعدة في تمويل الدولة، وهي خطوة دفعت رامي مخلوف، ابنة خالة الأسد وأبرز حلفائه الأثرياء، إلى مهاجمة الحكومة قبل عدة أشهر، وبطبيعة الحال لم ينجُ مخلوف من عقاب النظام.

النتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية أكثر من الضعف في العام الماضي، وحذّر برنامج الغذاء العالمي بدوره من أن 60% من السوريين، أو 12.4 مليون شخص، معرضون لخطر الجوع، وهو أعلى رقم تم تسجيله على الإطلاق منذ بداية الأزمة في البلاد.

وسط هذه الأزمة أصبح معظم السوريين يكرسون أيامهم لإيجاد الوقود للطهي وتدفئة منازلهم، فيما يقضي معظمهم ساعات طويلة للحصول على الخبز.

أما الكهرباء فبعض المناطق تحصل على بضع ساعات فقط من الكهرباء، وهو ما يكفي بالكاد للناس لشحن هواتفهم، حسب صحيفة The New York Times.

لقد أصبح المواطنون الذين كانوا يعتبرون من الطبقة المتوسطة، في عداد الفقراء جراء الأزمة الاقتصادية السورية.

خيار الأسد المر والوحيد

يقول داني مكي، المحلل السوري في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، إن مشكلة الأسد هي أنه ليس لديه حل، الأوضاع الحالية سوف تؤدي إلى انزلاق الأزمة الاقتصادية السورية إلى كارثة عالية الحدة.

وبالتالي الحل الوحيد أمام الأسد “هو التحدث إلى الأمريكيين لتخفيف العقوبات، مقابل تقديمه تنازلات، من ضمنها على الأرجح تخفيف القمع وإجراء بعض الإصلاحات السياسية التي قد تشمل بحث أزمة اللاجئين الذين يفضل الأسد بقاءهم في الخارج؛ لضمان تغيير الهوية الديموغرافية لسوريا لضمان أن يكون العرب السنة أقلية، وهو ما حدث في البلاد بالفعل جراء عملية التهجير الكبيرة التي نفذها النظام”.

أما إذا رفض الأسد هذا الخيار فعليه تحمّل ما يمكن أن تتحول الأزمة الاقتصادية السورية إلى انهيار اقتصادي كبير، بحسب ما نقلت صحيفة New York Times عن مكي.

فالأزمة الاقتصادية السورية لا يمكن إنهاؤها بالمذابح أو بالبراميل المتفجرة التي تلقى من الطائرات المتهالكة التي تعود للحقبة السوفييتية، كما فعل مع المدن السورية التي ثارت عليه.

مشاركة