جدل في الجزائر أثر دعوات للجيش بلعب دور سياسي

893

الجزائر ــ تعيش الجزائر على وقع جدل جديد سبّبته دعوات موجّهة للجيش الجزائري إلى لعب دور سياسي، وذلك عشية بدء القوى السياسية ترتيباتها لاستشراف مرحلة الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة ربيع العام 2019.
وفيما لم ترد المؤسسة العسكرية بعد على هذه الدعوات، فإن أحزاب السلطة سارعت إلى التصدي لذلك وطالبت بإبعاد الجيش عن السجال السياسي.
ولم يكد رئيس حركة “مجتمع السلم” عبد الرزاق مقري ينهي ندوته السياسية التي دعا فيها الجيش إلى المشاركة في صياغة توافق سياسي لرسم حدود مرحلة انتقالية مقبلة في البلاد، حتى توالت الردود السياسية والمدنية، بين رافض لفكرة استدعاء الجيش وتوريطه في لعبة سياسية ما لبثت الجزائر أن تخلصت من كثير من تداعيات عقود من حكم العسكر وتضخم الجهاز الأمني التابع للمؤسسة العسكرية، الاستخبارات، وبين داعم للفكرة على أساس مركزية المؤسسة العسكرية في المشهد العام في البلاد ومسؤولية الجيش في المآلات التي انتهت إليها أوضاع الانسداد المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
ويرتبط ذلك بغموض سيناريوهات الانتخابات الرئاسية المقبلة بعد ثمانية أشهر، وفي استدعاء واضح لتجربة ندوة التوافق الوطني عام 1994، والتي أشرف عليها الجيش وأسهمت في تحقيق توافق سياسي ومرحلة انتقالية بسنة واحدة وإصلاح الخلل الدستوري في شرعية السلطة ورئيس الجمهورية عبر العودة عام 1995 إلى المسار الانتخابي، بعد توقيفه من قبل الجيش في انقلاب يناير/كانون الثاني 1992.
ولم ترد السلطة السياسية في الجزائر رسمياً على التطور المتصل بدعوة الجيش إلى مشاركة القوى السياسية في صياغة توافق وطني، لكنها ردت عبر جهازها السياسي الأول، حزب “جبهة التحرير الوطني”، الذي أكد أمينه العام جمال ولد عباس، أن “للجيش مهام واضحة كل الوضوح بحكم الدستور وتتمثّل في حماية البلاد، وعليه فهو لن يتدخل في الحياة السياسية للبلاد وقائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح أكد ذلك مراراً”.
وأضاف ولد عباس: “اتركوا الجيش في الثكنة ودعوه يقوم بمهامه الموكلة إليه، ولا أعرف ما العلاقة بين الدعوة للانتقال الديمقراطي وبين دعوة مؤسسة الجيش إلى التدخل”.
لكن “إخوان” الجزائر الذين أطلقوا الجدل الأخير، وشعروا بتأويلات خطيرة لهذه الدعوة، سارعوا إلى محاولة توضيح الموقف وشرح أبعاد دعوتهم للمؤسسة العسكرية والجيش إلى المشاركة في صياغة توافق سياسي.
وقال القيادي في حركة “مجتمع السلم” نصر الدين حمدادوش إن الحركة لم تدعُ الجيش إلى إحداث انقلاب عسكري في البلاد أو الإمساك بالسلطة، موضحاً أن “دعوة المؤسسة العسكرية للمساهمة في الانتقال الديمقراطي، لدعم وحماية الحل التوافقي والوصول إلى الوضع الديمقراطي وفك الانسداد السياسي في البلاد، وتختلف عن الدعوة إلى تدخلها في الحياة السياسية بشكلٍ مباشر أو انفرادي أو فوقي في الحالات الطبيعية والديمقراطية والانفراد بالقرار السياسي أو فرض الخيارات الفوقية التسلطية لها”.
وأضاف: “صحيح أن تدخل الجيوش في الحياة السياسية بوجه عام يتنافى مع الديمقراطية، إلا أنّ ذلك لا ينطبق على دعوتنا للجيش إلى المساهمة في الانتقال من الوضع غير الديمقراطي إلى الحل الجماعي التوافقي من أجل الوصول إلى الوضع الديمقراطي”.
وبرر القيادي في “مجتمع السلم” هذه الدعوة بكون “المؤسسة العسكرية في الجزائر كانت الفاعل الرئيس في مجمل المحطات المفصلية التي شهدتها البلاد وليس من الحكمة الزعم بعدم إشراكها في صياغة المرحلة المقبلة”.
وتابع “ما يجب الانتباه إليه في الحالة الجزائرية، منذ تشكيل النواة الصلبة للنظام خلال ثورة التحرير، والمحطات الرئاسية التاريخية الحاسمة في تاريخ البلاد، هو البصمة العسكرية للجيش فيها، ابتداءً من حسم الصراع على الحكم في صيف 1962، والانقلاب العسكري على الرئيس أحمد بن بلة سنة 1965، ووصول الرئيس الشاذلي بن جديد إلى الرئاسة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين سنة 1979، وإلغاء المسار الانتخابي سنة 1992، والمجيء بالرئيس عبدالعزيز بوتفليقة من قِبل الجنرالات عام 1999”.
إضافة إلى “إخوان” الجزائر، يُقر الكثير من الأقطاب السياسية الفاعلة في الجزائر، وبما يرقى إلى حالة إجماع، بأن مشاركة الجيش في أي رسم للمستقبل السياسي للبلاد أكثر من ضرورة، بفعل رمزية المؤسسة العسكرية من جهة، ومسؤوليتها السياسية في وصول البلاد إلى الوضع الحالي من جهة ثانية.
فقد كان رئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش، وأحد أبرز منافسي بوتفليقة في انتخابات عام 1999، قد أكد في ندوات سياسية سابقة، أنه لا يمكن إنجاز أي حل أو توافقات سياسية في الجزائر من دون إشراك الجيش، بل إنه أعلن أنه لن يتقدّم إلى المجال الرئاسي من دون وجود ضمانة من الجيش. وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، طالبت شخصيات سياسية معروفة، هي وزير الخارجية الأسبق طالب الإبراهيمي، والجنرال المتقاعد رشيد بن يلس، والناشط الحقوقي علي يحيى عبد النور، الجيش باتخاذ موقف إيجابي تجاه مبادرات التغيير السياسي التي تطرحها قوى المعارضة.
وأصدرت هذه الشخصيات بياناً جاء فيه “في ما يتعلق بالجيش الذي يظل المؤسسة الأقل انتقاداً، فإن أقل ما يمكن أن تقوم به، إذا تعذر عليها مرافقة التغيير الحتمي والمشاركة في بناء جمهورية تكون بحق ديمقراطية، هو أن تنأى بنفسها بوضوح لا يقبل الشك عن المجموعة التي استولت على السلطة بغير حق، والتي تريد التمسك بها بإيهام الرأي العام بأنها تحظى بدعم المؤسسة العسكرية”.
اللافت أن الدعوات الموجّهة إلى الجيش للقيام بدور سياسي بشكل أو بآخر، تأتي من الإسلاميين كما من الديمقراطيين ومن التقدميين والمحافظين أيضاً. وفسر أستاذ العلوم السياسية في جامعة باتنة، يوسف بن يزة وجود حالة إجماع لدى معظم التيارات السياسية في البلاد بمختلف توجهاتها حول ضرورة دور الجيش، بوجود قناعة أن المؤسسة العسكرية قادرة على معالجة الأوضاع، قائلاً “ينبغي البحث في خلفيات المنادين بعودة الجيش للتدخل في السياسة، فمن المفارقات أن هذا المطلب انتقل من اليمين إلى اليسار واجتمع حوله الديمقراطيون والإسلاميون”.
واعتبر أن “حالة الاحتباس السياسي التي تعيشها البلاد جعلت هؤلاء يعتقدون بأن الجيش وحده فقط من يستطيع تحريك المياه الراكدة في المستنقع السياسي الذي تسبح فيه كيانات حزبية فاقدة لكل أدوات العمل وعاجزة عن أي فعل، ولذلك تحاول توريط الجيش مجدداً في الساحة السياسية على الرغم من أنها بنت كل أطروحاتها طوال السنوات الماضية على إدانة ما حدث في بداية التسعينات، حين تدخل الجيش في عمق المشهد السياسي، وعلى الرغم من اقتناعها بأن مؤسسة الجيش انبرت نهائياً إلى مهامها الدستورية وبلغت مرحلة متقدمة من التعفف عن ممارسة السياسة ولديها ما يشغلها من تهديدات أمنية تحيط بالجزائر”.

مشاركة