الدول الأوروبية تتحرك لإيجاد بديل الغاز الروسي في آسيا وأفريقيا

57
الدول الأوروبية تبحث عن بديل للغاز الروسي في آسيا وأفريقيا

يبدو أن الدولة الأوروبية قد اتفقت على قرار خفض إمداداتها من الغاز الطبيعي الروسي خلال الفترة القادمة، بعد قرار روسيا الدخول في حرب على أوكرانيا وربط بيع الغاز بالعملة الروسية، فهل تنجح أوروبا في إيجاد بديل للغاز الروسي، ومن أين يمكنها الحصول عليه وبأي تكلفة مادية وسياسية؟

“منصة الاتحاد الأوروبي للشراء المشترك للغاز”

تورّد روسيا سنوياً قرابة 178 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى أوروبا من إجمالي صادراتها البالغة قرابة 235 مليار متر مكعب. ومقابل ذلك، قالت المفوضية الأوروبية إنها ستقوم بتأسيس منصة لشراء حاجة أعضائها من الغاز الطبيعي، بأسعار معقولة، في السياق الجيوسياسي الحالي وللتخلص التدريجي من الاعتماد على الغاز الروسي.

وبالفعل، أنشأت المفوضية الأوروبية مع الدول الأعضاء منصة الاتحاد الأوروبي للشراء المشترك للغاز والغاز الطبيعي المسال والهيدروجين، وعقدت أول اجتماعاتها في 8 أبريل/نيسان الجاري.

لكن على الأرض، يظهر أن الحرب الروسية تتجه لتفريق دول الاتحاد في جزئية البحث عن بدائل للغاز الروسي؛ إذ بدأ كبار المستهلكين في أوروبا إجراء مفاوضات فردية مع المنتجين للفوز بعقود جديدة.

بحسب رويترز، فإن هذه المفاوضات الفردية، قد تكون انتصاراً روسياً غير مباشر، يتمثل في إفشال جهود قيادة المفوضية الأوروبية بمفاوضات موحدة لتوقيع عقود جديدة للغاز الطبيعي مع منتجين آخرين.

جهود فردية أوروبية

وبينما اتجهت ألمانيا منذ مارس/آذار الماضي إلى دول الخليج العربي وبالتحديد قطر لتعويض الغاز الروسي، ذهبت إيطاليا إلى إفريقيا وبالتحديد الجزائر وأنغولا ومصر والكونغو ونيجيريا.

وحتى اليوم، تعتمد ألمانيا على روسيا للحصول على 50% من حاجتها للغاز الطبيعي، بينما تعتمد إيطاليا على الغاز الروسي بنسبة 40%.

ولولا إصابته بفيروس كورونا الأسبوع الماضي، فقد كان رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي سيرأس وفداً للسفر إلى عدة دول إفريقية لتوقيع عقود لتوريد الغاز الطبيعي.

 

بينما فرنسا- تستورد 25% من الغاز من روسيا- أعلنت عن خطوات لتوسيع محطات لتسييل الغاز، وبناء مخازن أكبر لتخزين مصدر الطاقة الأبرز بالنسبة لها والبحث عن مصدّرين جدد من آسيا وإفريقيا.

في المقابل، عزّزت إسبانيا حصتها من الغاز الطبيعي القادم من الجزائر، لكنها بدأت تخشى على حصتها لصالح إيطاليا، نظراً للعلاقات القوية التي تجمع روما والجزائر، بينما دول غرب أوروبا والمملكة المتحدة وجدت من الغاز الطبيعي القادم من الولايات المتحدة، بديلاً لتعويض الغاز الروسي.

وأمام هذه الجهود الفردية، قد تجد غالبية دول التكتل، نفسها في وضعية العجز عن توفير حاجتها من الطاقة، لعدم وجود علاقات قوية أو شراكات بينها وبين الدول المنتجة.

وهنا، تبرز أهمية شركات الطاقة في بناء عقود جديدة للغاز الطبيعي، مثل “إيني” الإيطالية التي تنشط في 12 بلداً إفريقياً، و”توتال” الفرنسية، و”بريتش غاز” البريطانية.

لكن الشتاء البارد في أوروبا هذا العام، أفقدها جزءاً كبيراً من مخزوناتها، والتي تحتاج اليوم إلى إعادة ملء لموسم الشتاء المقبل. وحدد الاتحاد الأوروبي لنفسه هدفاً لملء مخزون الغاز تحت الأرض إلى 80% من طاقته بحلول أكتوبر/تشرين الأول المقبل؛ وقد يكون ذلك ممكناً ولكن بتكلفة سياسية ضخمة.

إذ سيتعيّن على الاتحاد الأوروبي الاستمرار في شراء أكبر قدر ممكن من الغاز الروسي كما هو الحال الآن؛ إذ لم تظهر أرقام شركة غاز بروم الروسية أي تراجع في إمدادات الغاز لدول التكتل.

وتبلغ كلفة شراء الاتحاد الأوروبي للغاز الروسي يومياً، حوالي 200 مليون دولار أو 36 مليار دولار للستة أشهر المقبلة، وفق تقرير لصحيفة “واشنطن بوست”.

ومؤخراً، تحدث جوزيب بوريل، كبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، بصراحة عن مشكلة شراء الفحم والنفط والغاز الروسي. وقال في تصريحات صحفية: “كل يوم تقريباً ندفع مليار يورو (1.1 مليار دولار) لاستيراد الطاقة الروسية (النفط، الغاز، الفحم)، ومن الواضح أن هذا مصدر دخل يستخدم لتمويل الحرب” الروسية على أوكرانيا.

أوروبا تتحرك لإيجاد بديل للغاز الروسي

من جهتها، خصصت ألمانيا نحو ثلاثة مليارات يورو (3.2 مليار دولار) لتأمين محطات لاستيراد الغاز الطبيعي المسال، في مسعى من برلين، التي تُعد أكبر قوة اقتصادية في أوروبا لتخفيف اعتمادها على الغاز الروسي.

جاء ذلك بحسب ما أعلنت عنه وزارة المالية الألمانية، الجمعة 15 أبريل/نيسان 2022، وقال وزير المال كريستيان لندنر على تويتر “يجب خفض الاعتماد على واردات الطاقة الروسية بشكل سريع ومستدام”، مضيفاً أن محطات الغاز الطبيعي المسال العائمة تُسهم بشكل مهم في ذلك، “وبالتالي علينا تخصيص تمويل لها”.

لكن بخلاف عدد من الدول الأوروبية، لا تملك ألمانيا محطة برّية لمعالجة الغاز المسال المستورد، وتعتمد حالياً على محطات في دول أخرى في الاتحاد الأوروبي، ما يحد من قدرتها على الاستيراد.

دسفينة تحمل النفط الروسي في بحر البلطيق متجهة إلى الاتحاد الأوروبي، مارس 2022/ Getty

وأفادت تقارير إعلامية ألمانية بأن الحكومة تدرس، بالتعاون مع شركاء من القطاع الخاص، إمكانية استئجار ثلاث أو أربع سفن تتمركز في موانئ بحر الشمال أو البلطيق لهذا الغرض، ويمكن بدء تشغيل بعض هذه المنشآت بحلول الشتاء المقبل. وتشير الحكومة إلى أن الواقع يفرض عليها ألّا تتخلى عن الغاز الروسي قبل منتصف العام 2024.

في السياق، نصحت المفوضية الأوروبية المواطنين بالعمل من المنزل، وخفض سرعاتهم على الطرق السريعة، واستخدام القطار بدلاً من الطائرة من أجل توفير الطاقة وإفشال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في إطار مجموعة من التوصيات للحد من الاعتماد على النفط من روسيا.

وهذه المجموعة من “الإجراءات البسيطة” الموضحة في خطة “أقوم بدوري” (Play My Part)، أُعلن عنها الخميس 21 أبريل/نيسان الجاري، حسب صحيفة The Washington Post الأمريكية، شملت توصية بتقليل التدفئة، والحد من استخدام مكيف الهواء.

ستساعد الخطة المنزل العادي على توفير 500 يورو (540 دولاراً) في المتوسط سنوياً، فضلاً عن 220 مليون برميل نفط في السنة، على مستوى دول الاتحاد الأوروبي، وفقاً للمفوضية والوكالة الدولية للطاقة في باريس.

وقالت الهيئتان في بيان إن هذه الإجراءات “تهدف لمساعدة أوكرانيا عبر تقليص اعتماد الاتحاد الأوروبي على الوقود الروسي، وكذلك للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري”.

مشاركة