جدل في البرلمان المصري حول حقيقة الدور الإماراتي في تمويل سد النهضة

45
حقيقة الدور الإمارات في تمويل وبناء سد النهضة

ثارت حالة من الجدل مؤخراً بين نائبين في البرلمان المصري حول الدور الإمارات في تمويل سد النهضة ، وذلك أول إشارة شبه رسمية لغضب القاهرة من دورأبوظبي في أزمة سد النهضة.

ودخل النائبان الناصريان مصطفى بكرى، وضياء الدين داوود، في  مشادة بسبب اتهام الأخير “إحدى الدول العربية بتمويل سد النهضة”، دون تسمية للدولة.

ووفق نص متطابق ذكره إعلام مصري بينه صحيفة “أخبار اليوم” المملوكة للدولة، “فإنه خلال جلسة مجلس النواب، قال بكري: “داوود ينتمي للقومية الناصرية (نسبة للرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر) التي نادت باحترام العروبة، لكنه أعطى إشارات لم أكن أتمنى أن يشير إليها بأن دولة عربية متورطة في تمويل سد النهضة”.

وأضاف: “الدولة المشار إليها أرسلت مبعوثاً منذ عدة أيام للسودان وإثيوبيا وقدم للقيادة السياسية تقريراً شاملاً عن الموقف وتقف معنا في الخندق ذاته”. (وهي إشارة واضحة للإمارات).

ووفق المصادر ذاتها، “حاول داوود، مقاطعته، ولوح بعضهما لبعض بالأيدي، لكن رئيس المجلس حنفي الجبالي تدخل لفض المشادة”، قائلاً: “انتهى الأمر وحذفت الكلمات من المضبطة”.

وفي ظل التركيبة الحالية للنظام في مصر، يصعب تصور أن هذه المشادة عفوية وأن النائب ضياء الدين داوود، الذي يحسب على المعارضة، قد أطلق هذا الاتهام في مسألتين حساستين للغاية وهما ملف سد النهضة، والعلاقة مع الإمارات من تلقاء نفسه.

كما أن رد بكري المعروف أنه مقرب للأجهزة الأمنية يبدو وكأنه تبرؤ من قبل الدولة من هذا الاتهام، الذي صدر عن نائب يوصف بأنه معارض (ولكن عادة لا يأخذ معارضة حادة أو فيها خلاف بيّن مع سياسة الدولة).

الأهم أن نشر صحف مصرية من بينها صحف رسمية لهذا النص، لا يمكن أن يكون عفوياً أو اجتهاداً صحفياً في ظل وجود رقابة صارمة على الإعلام في مصر، تمنع نشر أخبار أقل حساسية بكثير من هذا الخبر.

ومنتصف أبريل/نيسان الماضي، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري، في كلمة بالبرلمان أنه “لا توجد دول صديقة ذات علاقات وطيدة مع مصر تمول سد النهضة”.

وتعكس هذه الإشارات قلقاً مصرياً رسمياً من مواقف الإمارات الداعمة لإثيوبيا في أزمة سد النهضة، في وقت تتوتر فيه العلاقة بين الحليفين في ملفات عدة متشابكة؛ حيث يعتقد أن الخلافات بين البلدين تشمل تحفظاً إماراتياً على التسوية في ليبيا والتهدئة المصرية التركية، وغضباً مصرياً من التطبيع الإماراتي مع إسرائيل وخاصة ملف إيجاد بدائل لقناة السويس.

أزمة صامتة في العلاقات بين مصر والإمارات على خلفية سد النهضة

وكانت الإمارات هي إحدى الدول العربية القليلة التي لم يصدر عنها بيان تأييد لموقف مصر والسودان من أزمة سد النهضة، خلال الفترة التي وجه فيها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أول تهديداته لإثيوبيا، بل إنه بالتزامن مع ذلك أعلنت إرسال مساعدات لإثيوبيا، علماً بأنها ساعدت أديس أبابا في قمع إقليم تيغراي.

ولكن بعيداً عن المواقف الاماراتية في أزمة سد النهضة والتلميحات الغاضبة من القاهرة تجاه أبوظبي، ما هي حقيقة تمويل الإمارات لسد النهضة؟

من يمول سد النهضة؟

تقدر تكلفة سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) بما يقارب 5 مليارات دولار أمريكي، أي حوالي 7% من إجمالي الناتج القومي الإثيوبي لعام 2016، حسبما ورد في كتاب “سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق” الذي نشر لأول مرة عام 2018.

ويشير الكتاب إلى أنه لطالما زُعم أن الافتقار إلى التمويل الدولي للمشروعات على نهر النيل الأزرق هو سبب لحملة مصر المستمرة المنتقدة للمشروع.

ولذا تضطر إثيوبيا إلى تمويل سد النهضة بتمويل جماعي من خلال جمع الأموال الداخلية في شكل بيع السندات وإقناع الموظفين بالمساهمة بجزء من دخولهم. على الرغم من النجاح المحلي في جمع الأموال، إلا أن مساهمة الإثيوبيين والإثيوبيين الذين يعيشون في الخارج قوبلت بالشكوك بسبب البيئة السياسية في إثيوبيا.

حقيقة تمويل الإمارات لسد النهضة

كما تقدم الحكومة الصينية قدراً كبيراً من التمويل الدولي للبنية التحتية للطاقة الكهرومائية.

كما زُعم أن دول الخليج تساهم في بناء السد، ولكن المؤلفين لم يحددوا مدى دقة هذه الادعاءات وأي دولة خليجية تموله.

من الصعب الجزم بوجود تمويل إماراتي مباشر لسد النهضة، في ظل غياب معلومات على قدر من المصداقية في هذا الشأن.

ولكن في المقابل، فإنه يمكن القول إن الإمارات ودولاً خليجية أخرى تساهم في تمويل سد النهضة بشكل غير مباشر عبر طريقين.

المساعدات والمنح الاقتصادية

 يمكن اعتبار المساعدات والمنح الاقتصادية التي تقدمها الإمارات والسعودية لإثيوبيا نوعاً من التمويل غير المباشر لسد النهضة، حيث إن هذه المساعدات والمنح قد تدعم ميزانية الحكومة الإثيوبية؛ بما يسمح لها بتحويل الأموال إلى بناء السد.

وتعتبر الإمارات داعماً ضخماً ومباشراً لإثيوبيا وليست مستثمراً فقط، حتى إن وزير الخارجية الإثيوبي غدو أندرجاتشاو سبق أن قال: “لا يمكن حصر الدعم الذي قدمته دولة الإمارات لإثيوبيا وخصوصاً في المجال الاقتصادي”.

وقال: “الإمارات دعمتنا في التحول مالياً، وخلقت فرص العمل للإثيوبيين، كما شجّعت المستثمرين الإماراتيين على بعث مشاريعهم في إثيوبيا، فضلاً عن حرصها على متابعة نجاح عملية التحول والإصلاح الذي بدأه رئيس الوزراء آبي أحمد”.

وفي عام 2018، أعلن أحمد شيد، رئيس مكتب شؤون الاتصالات الحكومية في إثيوبيا، أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستودع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي لتخفيف نقص العملة الأجنبية، وذلك بالتزامن مع زيارة ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد لأديس أبابا.

وأوضح “شيد” أن الإمارات وافقت أيضاً على تخصيص ملياري دولار إضافيين “لاستثمارات مختلفة”.

وفي فبراير/شباط 2020، وقع صندوق خليفة لتطوير المشاريع الإماراتي اتفاقية بقيمة 100 مليون دولار مع وزارة المالية الإثيوبية، لدعم وتمويل المشاريع متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة في إثيوبيا.

كما تعد الإمارات الدولة الخليجية الثانية بعد المملكة العربية السعودية في الاستثمار في إثيوبيا 2014.

يمكن تفهم آثار المساعدات المالية الإماراتية بالنظر إلى أنه تلك الفترة كانت تمثل الحقبة الحرجة لبناء السد الذي وصل نسبة تشييده إلى أكثر من 70% بحلول نهاية عام 2017 وفي ذلك الوقت وردت أنباء عن أن نقص السيولة لدى إثيوبيا تعرقل إكماله، ولا يمكن استبعاد أن الأموال الإماراتية قد حلت المشكلة بشكل غير مباشر؛ فعبر دعم الموازنة الإثيوبية حتى لو عبر توجيه الأموال لبنود أخرى غير بناء السد، تستطيع أديس أبابا تحويل أموال من هذه البنود للسد.

ويفسر هذا الدعم الإماراتي وكذلك الصيني قدرة بلد فقير كإثيوبيا، على بناء سد بحجم سد النهضة دون دعم صريح من المؤسسات المالية الغربية، فمصر على سبيل المثال احتاجت دعماً سوفييتياً لبناء السد العالي بعد رفض الولايات المتحدة السماح للبنك الدولي بتمويله.

المشروعات الزراعية

أما الطريقة المالية الثانية لدعم سد النهضة بشكل غير مباشر، فهي الاستثمارات في مجال الزراعة والتي باتت تمثل حافزاً لبناء السد وجعله أكبر ربحية بالنسبة لإثيوبيا، وأيضاً يعتقد أن هذه الاستثمارات لها تأثيرات سلبية على البيئة وعلى ملكيات المزارعين الصغار.

وهذه الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا  في مجال الزراعة جزء من عملية سباق تشهده منطقة القرن الإفريقي على الاستثمار في الزراعة من قبل دول الخليج خاصة الإمارات والسعودية وقطر، وأيضاً من قبل دول كالهند والولايات المتحدة والصين.

إذ تنفذ الهند والصين والمملكة العربية السعودية وقطر والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة استثمارات زراعية واسعة النطاق في منطقة البحيرات الكبرى- إثيوبيا وجنوب السودان ودول شرق إفريقيا الأخرى لتوفير الغذاء والوقود الزراعي لسكانها المتنامين.

وتنظر السعودية والإمارات باهتمام خاص لدور إثيوبيا والسودان في توفير الغذاء، ولكنهما أيضاً تريان في تعزيز النفوذ في إثيوبيا وسيلة لامتلاك أدوات ضغط على حليفتهما مصر، حسبما ورد في تقرير لمركز كارنيغي الأمريكي.

ويشير المركز إلى أنه في ضوء المشاركة المتزايدة لأبوظبي والرياض مؤخراً في القرن الإفريقي، فإن القاهرة غير قادرة على الاعتماد على حلفائها العرب الأساسيين للضغط على إثيوبيا لتبني نهج أكثر تصالحية. علاوة على ذلك، نظراً لدور إثيوبيا والسودان في توفير الغذاء لهذه البلدان، فمن غير المرجح أن تتدخل لصالح مصر لأن سد النهضة يمكن أن يزيد من أمنها الغذائي.

ومن هنا يخلص التقرير إلى أن الإمارات العربية المتحدة تمتلك عدداً من الحوافز فيما يتعلق باستمرار مشروع سد النهضة، بما في ذلك خدمة مصالحها الخاصة بالأمن الغذائي، وحماية نفوذهما الإقليمي الذي اكتسبته بشق الأنفس، واحتمال أن يكون لهما اليد العليا ضد إيران وقطر وتركيا، ويكتسب العامل الأخير أهمية خاصة بعد أن مالت القاهرة للمصالحة مع الدوحة والتهدئة مع أنقرة.

يقول المركز يمكن أن تشعر أبوظبي بالارتياح إزاء افتقار القاهرة للخيارات في مسألة سد النهضة.

 

مشاركة