حملات ضد ترشيح الإماراتي أحمد الريسي لرئاسة المنظمة الدولية

28
حملات رافضة لترشح الريسي لمنصب رئيس الانتربول الدولي

بدأت أمس الثلاثاء أعمال الجمعية العمومية للمنظمة الدولي للشرطة الجنائية (الانتربول) في مدينة إسطنبول التركية، لانتخاب رئيس جديد للمنظمة الدولية، وسط تصاعد للدعوات المطالبة بتوقيف واعتقال مرشح الإمارات لرئاسة الانتربول، أحمد ناصر الريسي على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم تتعلق بحقوق الإنسان.

وقادت العديد من المنظمات الحقوقية حملة تطالب بحسب ترشيحه الريسي وذلك بسبب سجله الحقوقي السيء في مجال حقوق الإنسان؛ إذ أقيمت ضده أكثر من خمس قضايا جنائية في بلدان أوروبية مختلفة على خلفية ملفات تعذيب اتهم بالإشراف عليها.

من بين هذه الشكاوى، دعاوى رفعها ضده المواطنان البريطانيان ماثيو هدجيز وعلي عيسى أحمد.

سُجن الأول لاتهامه بالتجسس لصالح الحكومة البريطانية، في حين يقول الثاني إنه أوقف لارتدائه قميصاً عليه شعار منتخب قطر لكرة القدم.

ماثيو هيدجز… من طالب دكتوراه إلى متهم بالتجسس لصالح بريطانيا

ماثيو هيدجز

أوقفت السلطات الإماراتية ماثيو هيدجز في مايو/ أيار عام 2018 في مطار دبي ليُسجن لنحو سبعة أشهر في أبو ظبي، إلى أن أُطلق سراحه بعفو رئاسي.

يقول هيدجز لبي بي سي: “عشت في الإمارات لنحو خمس سنوات بينما كانت عائلتي قد أمضت قرابة عشرين عاماً فيها، لذا فإنني أعرف هذه البلاد إلى حد ما”.

حين تم احتجازه، كان ماثيو طالباً في جامعة درهام البريطانية يعد أطروحة الدكتوراه عن القبائل والسلطة ونظام المحسوبية في الإمارات، وعن استراتيجية أمن نظام ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وشبكة التحالفات التي تسعى لدعم نظام الحكم لديه.

“كان من الطبيعي أن أقابل خبراء في الأمن والأمور الاستراتيجية علماً أنني لم أقابل أي أحد يحمل الجنسية الإماراتية ذلك أنني وقعت على تعهد مسبق يمنعني من ذلك”، يوضح ماثيو هيدجز لبي سي سي عربي.

غلاف الدكتوراه

صدر الصورة،HURST PUBLISHERS

التعليق على الصورة،غلاف أطروحة الدكتوراه التي كان ماثيو يعدها وسجن خلال العمل عليها

كانت والدة ماثيو برفقته حين تم إيقافه، وقامت على الفور بإبلاغ السفارة البريطانية في أبو ظبي.

اتهم ماثيو بجمع معلومات حسّاسة وسرية عن الإمارات وأمنها وتم سجنه في أبو ظبي في مكان يقول إنه “لا يشبه السجن”.

“كان مكاناً غريباً، هو ليس سجناً، في الأشهر الخمسة الأولى لم يسمحوا لي بالاستحمام سوى مرة واحدة في الشهر، ثم تحسّنت الأحوال. كنت مجبراً على أخذ أدوية كانت تؤثر على أطباعي وجهازي العصبي ونومي وكانوا يفتحون فمي ليتأكدوا أنني أخذتها”.

يقول ماثيو إنه لم يتعرض للتعذيب الجسدي، فهو لم يُصعق بالكهرباء ولم يُضرب، لكنه يعتقد أن السبب وراء عدم تعرّضه لذلك الجسدي هو أنه تجاوب مع محتجزيه بسرعة واعترف تحت الضغط النفسي بجميع التهم الموجّهة إليه مخافة أن تصل الأمور إلى الإساءة الجسدية، حسب روايته

ويضيف: “صحيح أنني لم أتعرض إلى تعذيب جسدي، لكن من الناحية القانونية، يمكن القول إني كنت أتعرض لتعذيب جسدي؛ لأن جميع الأدوية التي كنت مجبراً على ابتلاعها تركت آثارها في جسدي، وما زلت أعاني حتى اليوم ولم أتمكن من ترك بعض هذه الأدوية”.

التعليق على الفيديو،معارضة وحقوقية إماراتية تحكي لبي بي سي عن “وجه آخر” لبلادها

يقول ماثيو إنه اكتشف منذ مدة “أن السلطات الإماراتية كانت تتجسّس على هاتفي النقّال في لندن قبل أن أسافر إلى الإمارات من خلال برنامج التجسّس الشهير بيغاسوس”، ويعتبر أن “هذا يعني أنني كنت تحت المراقبة قبل سفري إلى الإمارات وقبل إعدادي البحث الجامعي هناك”.

تنفي الإمارات أي تهم لها بالتورط في التجسس على صحفيين ونشطاء باستخدام برنامج بيغاسوس. وتصف التقارير التي تشير إلى ذلك بـ “المفبركة”.

“من أجل أسياده”

أدين ماثيو بتهمة التجسس في الإمارات لكنه حصل على عفو رئاسي وأطلق سراحه في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018.

حينها، أعلن جابر اللمكي وهو المدير التنفيذي للقطاع الاستراتيجي في المجلس الوطني للإعلام في الإمارات أن ماثيو هيدجز اعترف أثناء التحقيق بأنه كان يعمل كمخبر لجهاز استخبارات أجنبي وأنه جمع معلومات حساسة وسرية عن الإمارات. وفي مؤتمر صحفي عقده حينها، قال اللمكي إن : “الأدلة، سواء كانت إلكترونية أم وثائق هي أدلة غير قابلة للجدل”.

جابر اللمكي

صدر الصورة،@JALLAMKI

التعليق على الصورة،جابر اللمكي

وأضاف اللمكي: “استخدم ماثيو هيدجز هويتين مختلفتين لجمع المعلومات من أهدافه. في إحداها، كان ماثيو هيدجز، طالب الدكتوراه. وفي الثانية، كان ماثيو هيدجز رجل الأعمال. طالب دكتوراه بدوام كامل ورجل أعمال بدوام جزئي، لكنه كان يعمل بنسبة 100 في المئة في الخدمة السرية بدوام كامل”.

وتشير المعلومات الأمنية الإماراتية إلى أن هيدجز، كان يبحث عن معلومات حسّاسة كان يعرف أنه يمكنه الوصول إليها. “لقد كان هناك لسرقة أسرار تتعلق بالأمن القومي لدولة الإمارات العربية المتحدة من أجل أسياده”، بحسب اللمكي.

لكن ماثيو الذي يصر على براءته، يقول إنه ماضٍ في الضغط لمنع انتخاب اللواء الريسي رئيساً للإنتربول رغم اقتناعه أن الريسي سينال هذا المنصب في نهاية المطاف.

تركيا .. مطالبات بتوقيف واعتقال أحمد الريسي مرشح الإمارات لرئاسة الانتربول الدولي

“بالطبع ستتأثر سمعة المنظمة الدولية، كيف يمكن لرئيسها أن يكون سجله حافلاً بقضايا تنتهك حقوق الإنسان وأن يكون مسؤولاً عن تعذيب السجناء والموقوفين؟” يتساءل. ويستطرد قائلاً: ” لكن هذا أمر لا يثير استغرابي، فالرئيس السابق للإنتربول الصيني منغ هونغواي موقوف بتهم الفساد والرشوة”.

صحيح أن ماثيو هيدجز لم يقابل اللواء أحمد الريسي خلال فترة سجنه، لكنه يحمّله المسؤولية المباشرة لكل ما تعرّض له أثناء فترة احتجازه ذلك أن اللواء الريسي مسؤول برأيه عن كل ما يجري داخل السجون في دولة الإمارات.

يقول هيدجز في هذا الخصوص: “في نهاية المطاف، هو مسؤول عن كل ما يجري للموقوفين والمسجونين لأنه حين تكون القضية كبيرة وهامة كقضيتي ويتم التعامل معها بطريقة غير رسمية، فإنه من المؤكد أنه كان على علاقة بكل ما حصل لي وعلى دراية تامة بذلك”.

حراس في سجن إماراتي

صدر الصورة،GETTY IMAGES

التعليق على الصورة،يحمل ماثيو هيدجز الريسي المسؤولية عن كل ما تعرض له خلال فترة احتجازه

يأمل ماثيو وآخرون أن تنجح المحاكم في الدول التي تم فيها رفع شكاوى جنائية ضد الريسي في توقيفه ما أن تطأ قدماه أراضيها.

ويقول المحامي الدولي المتخصص في شؤون حقوق الإنسان رودني ديكسون إن “هناك الآن شكاوى جنائية في خمس دول مختلفة على الأقل ضد اللواء الريسي بتهمة التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان. إذا صوتت الدول لصالحه لرئاسة الإنتربول وتجاهلت الإجراءات الجنائية ضده، فسيكون ذلك بمثابة سخرية من نظام العدالة الجنائية الدولي بأكمله. لا ينبغي أن يكون المرشح لمنصب رئيس الإنتربول موضع تحقيق بتهم التعذيب”.

منظمات دولية ونوّاب فرنسيون ضد انتخاب الريسي

إضافة إلى ماثيو هيدجز وعلي عيسى أحمد، قدّمت منظمات حقوقية عدة رسالة إلى الإنتربول تطلب من الجمعية العمومية فيها عدم انتخاب اللواء أحمد الريسي.

الرسالة تحمل توقيع المنظمات التالية: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، فرونت لاين ديفندرز، مركز الخليج لحقوق الإنسان، هيومن رايتس ووتش، الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان، الخدمة الدولية لحقوق الإنسان والمنظمة العالمية لمناهضة التعذيب.

وتقول هذه المنظمات في الرسالة التي أرسلت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إنه “بالنظر إلى ما يضطلع به اللواء الريسي من دور في الإبقاء على حالة إفلات الجناة في قوات الشرطة والأمن الإماراتية من العقوبة، فإنَّه يتعيَّن على الجمعية العامة أن ترفض ترشيحه”.

وتضيف الرسالة: “إن سعي دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تولي رئاسة الإنتربول هو في نهاية الأمر مدفوع بالرغبة في استخدام وإساءة استخدام المنابر الدولية لتقوية وإدامة سجلها المشين في مجال حقوق الإنسان دون عواقب. ولذا، فإنَّه ينبغي للجمعية العامة أن ترفض رئاسة الريسي لمنع تحول الإنتربول إلى منظمة تعمل لصالح الحكومات الاستبدادية”، على حدّ وصف الرسالة.

خالد ابراهيم المدير التنفيذي لمركز الخليج لحقوق الإنسان
التعليق على الصورة،يشغل خالد ابراهيم منصب المدير التنفيذي لمركز الخليج لحقوق الإنسان

خالد ابراهيم وهو المدير التنفيذي لمركز الخليج لحقوق الإنسان قال في مقابلة مع بي بي سي عربي إن الرسالة جاءت بهدف حث الجمعية العمومية للإنتربول على عدم التصويت للواء أحمد ناصر الريسي لأنه مسؤول على حدّ وصفه، عن انتهاكات جسيمة في مجال حقوق الإنسان ولأن شكاوى عدة قدّمت ضده ما يجعله تحت المساءلة القانونية بعد توثيق مسؤوليته عن كل هذه الانتهاكات،وفق تعبير إبراهيم.

ويعبر خالد ابراهيم عن اعتقاد الموقعين على الرسالة أن “اللواء أحمد الريسي غير مؤهل لقيادة الإنتربول، إضافة إلى أن سجل الإمارات السيء في مجال حقوق الإنسان يجعلها غير صالحة لقيادة هذه المنظمة الدولية المهمة”.

وكان خالد إبراهيم شارك قبل أيام في ندوة نظمها النائب هوبرت جوليان لافريير في الجمعية الوطنية الفرنسية في باريس ضد احتمال انتخاب اللواء أحمد ناصر الريسي لرئاسة الإنتربول.

مشاركة