مونديال قطر 2022 كان استثنائياً ومختلفاً في كل شيء

430
مونديال قطر 2022 استثنائيا في كل شيء

بعد أن أسدل الستار على مونديال كرة القدم 2022 الحدث الأبرز في تاريخ دولة قطر،وما حمله من من أحداث حملت في طياتها الكثير من المعاني الرياضية والحضارية والثقافية، والتي وضعت الجمهور الغربي بشكل أقرب إلى الثقافة والتقاليد العربية، والتي سيكون لها ما بعدها .

وكتب يوسف حسني في صحيفة “الخليج أون لاين” مقالا يوضح فيه لماذا كان مونديال قطر 2022 استثنائياً ومختلفاً في كل شيء، وسيترك إرثاً رياضياً ومجتمعياً وأخلاقياً؛ قد يكون له ما بعده في قادم البطولات.

في العام 2010، عندما حاز البلد الصغير، الواقع على شاطئ الخليج العربي شرف تنظيم كأس العالم، توقع  كثيرون أن تفشل الدوحة في تنظيم الحدث الكروي الأهم عالمياً، في حين توقع آخرون أنها لن تنظمه من الأساس.

وخلال 12 عاماً، وضع القطريون خطة قامت على الهوية (عربية – إسلامية – خليجية) بالأساس، ولم يقعوا في فخ التقليد؛ فبدوا حريصين على تأكيد انتمائهم وفخرهم بهوياتهم كسبب رئيس للنجاح.

الوعد القطري بأن تكون النسخة مختلفة يعني أن تحقق نجاحاً استثنائياً، أو ستفشل فشلاً استثنائياً أيضاً، لكنها قدمت تجربة مميزة تماماً عن سابقاتها، في 29 يوماً، استغرقت 12 عاماً من العمل.

مونديال عربي – إسلامي

وعد القطريون كثيراً بتقديم مونديال استثنائي، وقبل أيام من صافرة البداية، وعد الأمين العام للجنة المشاريع والإرث حسن الذوادي بتغيير الصورة النمطية التي حاول البعض ويحاول ترسيخها عن العرب.

لم يكن وجه الاستثنائية معروفاً، غير أنها بمونديال قطر كانت متمثلة في تقديم التقاليد على كل شيء.

فلم يكن متوقعاً أبداً أن يخلو المونديال من أمور يعتبرها البعض “بديهية”؛ مثل شرب الخمور، ورفع شعارات المثلية الجنسية، فضلاً عن ممارسة سلوكيات تبدو “طبيعية” في الكثير من الدول، لكنها ليست كذلك في بلاد العرب عموماً، وفي الخليج على وجه الخصوص.

كان تحدي الكحول واحداً من أقوى تحديات البطولة التي تجلب ملايين المشجعين من مشارق الأرض ومغاربها، والتي تسيطر منتخبات أوروبا، بجماهيرها الغفيرة، على العدد الأكبر من مقاعدها، لكنه أيضاً كان أحد أبرز نجاحات المونديال.

نحن نرحب بالجميع في بلادنا، ندعوهم للتعرف على ثقافتنا، لكننا نتوقع منهم أيضاً أن يحترموا ثقافاتنا“، هذا ما قاله أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في أحد المؤتمرات بألمانيا، عندما سئل عمّا ينتظر “المثليين” و”عاشقي الكحول” في الدوحة.

لكن الأمور لم تكن سهلة؛ فقد واجهت الدوحة حملة شرسة قبيل انطلاق البطولة؛ لكنها حسمت وحزمت أمرها ومنعت شرب الكحول ورفع شعارات المثلية وغيرها مما يخالف الآداب العامة والإسلامية في الأماكن العامة.

 

ليس هذا وحسب، فقد طغت الهويات الثلاث (العربية، والإسلامية، والخليجية) على كافة مظاهر الحدث، بدءاً من حفل الافتتاح الذي تلي فيه القرآن لأول مرة، مروراً بالشوارع التي عكست الحفاوة العربية بالضيوف، وتفاعل الآخرين مع هذه الثقافة.

إلى جانب ذلك ضجت الدوحة بالفعاليات التي حاولت تصحيح المغلوط من المفاهيم عن الإسلام، واختتمت البطولة بالشعر العربي، وبـ”البشت” الذي ألبسه أمير قطر لنجم الأرجنتين ليونيل ميسي قبل منحه كأس البطولة.

ميسي

قضايا الأمة فوق التطبيع

منذ اللحظة الأولى كانت فلسطين بقضيتها وأعلامها صاحبة الحضور الطاغي في كل تفاصيل المونديال، من المدرجات إلى أرضية الملعب، فضلاً عن عن الشوارع، وأمام وسائل الإعلام التي أتت من كل حدب وصوب.

في المقابل لم يجد “الإسرائيليون” لهم مكاناً في هذه البلاد التي لفظتهم شعباً وضيوفاً، حتى اضطروا إلى إخفاء هويتهم.

وقد أكدت “يديعوت أحرونوت” العبرية حقيقة أن الإسرائيليين “غير مرحب بهم في قطر”، وقالت إنها “لم تكن تريد قول هذا الكلام، لكنها الحقيقة، حقيقة أن الإسرائيليين يشتمون ويهانون ولا يجدون ترحيباً خلال المونديال، حتى في المطاعم أو الحافلات”.

شيء آخر كان لافتاً في هذا المونديال، وهو أن العرب “اكتشفوا أنهم ما زالوا أمة واحدة”، فقد امتدت أمواج الفرحة في كل بلد بعد فوز السعودية على الأرجنتين في أول البطولة، ثم لقي المغاربة دعماً جارفاً عندما بلغوا المربع الذهبي، وهم يحملون أعلام فلسطين.

الناقد والسياسي المصري الدكتور وحيد عبد المجيد، الذي رحل عن عالمنا قبل أيام قليلة، قال لوكالة الأنباء الفرنسية (28 نوفمبر الماضي)، إن قضية فلسطين كانت إحدى أكثر القضايا العادلة حضوراً في هذا المونديال.

فلسطين

كما قال المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” إيشان ثارور (7 ديسمبر الجاري) إن العرب حشدوا صفوفهم وراء القضية الفلسطينية وأثبتوا أنها “حية لن تموت”.

ونقلت الصحيفة عن لاحاف هاركوف من “جيروزاليم بوست”، أن “هذا ليس رفضاً لاتفاقيات أبراهام وحسب، إنه رفض حتى للسلام مع مصر والأردن”.

وحفل المونديال بالفعاليات التي استهدفت تعريف الزوار بالإسلام، وكان دعاة من أمثال ذاكر نايك، يؤدون دوراً كبيراً في هذا الأمر.

في الشوارع، وفي الأسواق الشعبية، وفي الحي الثقافية (كتارا)، وفي معاملة الناس للضيوف، كان التعريف بالإسلام وبأخلاق العرب حاضراً بقوة، وبلا مداراة، وكانت المساجد وصوت الأذان مثار إعجاب كثيرين، ظهروا على العديد من الشاشات.

مونديال عائلي

لعله أول مونديال في تاريخ البطولة يحصل على هذا اللقب، لقب “مونديال صديق للعائلة”، وهو الوصف الذي أطلقته عليه مشجعة كندية.

قطر

وكانت “الغارديان” البريطانية قالت، في تقرير، إن منع شرب الكحول في المدرجات جعل المشجعين أكثر شعوراً بالأمان، مشيرة إلى أن هذا المونديال غير ثقافة المشجعين.

كما طالب الكاتب الإنجليزي سيمون كيلنر، في مقال بموقع “آي نيوز” (7 ديسمبر الجاري) بالاستفادة من تجربة “حظر الكحول” في المونديالات القامة، مؤكداً أنه “حقق نجاحاً مبهراً في قطر”.

ولم تسجل الداخلية القطرية أي حوادث عنف أو اعتداء طوال فترة المونديال كما أعلنت، في السابع من ديسمبر، فيما لم تشهد المدرجات أي مواجهات جماهيرية، رغم حضور ما يزيد عن 50 ألفاً بكل مباراة في المتوسط، وفق الإحصاءات الرسمية.

التفاعل مع الثقافة العربية

من بين الأمور التي لفتت الانتباه في المونديال شغف الأجانب بالزي الخليجي التقليدي (الغترة والعقال)، حيث ظهروا في المباريات والشوارع وهم يلبسونهما، مع إضافة جديدة تمثلت في عمل صناعة هذه الملابس بألوان أعلام المنتخبات المشاركة في البطولة.

قطر

وأمام ملعب الثمامة كان المواطن القطري نبيل الشيبة، الذي يتجاور بيته مع الملعب، حريصاً على تقديم المشروبات والحلويات للضيوف بعد كل مباراة، وهو أمر قال الجمهور في تقرير سابق لـ”الخليج أونلاين”، إنهم لم يعرفوه في أي بلد، حتى في بلادهم.

قطر

ووثق صانع المحتوى القطري عبد الله العمادي مقطع فيديو على حسابه الرسمي في “إنستغرام” يظهر حديثه مع مجموعة من المشجعين من ولاية فلوريدا الأمريكية وهم يتحدثون عن جمال زيارتهم للمساجد في قطر واحترامهم الثقافة العربية.

ودشن مركز عبد الله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية القطرية مبادرة تهدف إلى تعريف جماهير كأس العالم 2022 بالإسلام من خلال مواد دينية مترجمة بلغات عدة.

قطر

ووضعت بعض فنادق الدوحة “باركود” في غرفها للتعريف بالإسلام بلغات عدة، فيما حولت الحكومة سوق “الوكرة” القديم إلى ساحة لنشر تعاليم الدين من خلال صور مشاهير ولافتات.

وقبل يوم من نهاية المونديال، قال نجم المنتخب الإنجليزي السابق ديفيد بيكهام، في بيان: إن “رؤية الجماهير سوياً ومستوى كرة القدم كان أمراً رائعاً”، مضيفاً: “كان من دواعي سروري أن أرى الإثارة والمتعة التي حظيت بها الجماهير”.

كما قال رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك في تغريدة (10 ديسمبر الجاري)، إن على الجميع رفع القبعة لدولة قطر على هذا المونديال، بعد هذا التنظيم المذهل، ومثله فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي حضر مباراتي نصف النهائي والنهائي بالدوحة.

وبعد انتهاء البطولة قال أمير قطر إن بلاده وعدت بمونديال استثنائي من بلاد العرب ووفت بوعدها، منهياً بذلك حلماً بدأ قبل 12 عاماً، وظنّه البعض أنه ن يتحقق، لكنه تحقق على أحسن ما يكون.

مشاركة