من يأتي أولاً الهوية أم الحرية ؟

0
217
النهضة

مجتمعات الهوية الجاهزة لا تتطور ولا تتقدم؛ لأنها ليست مجتمعات حرية، حين يعتقد الناس أنهم يمارسون حريتهم، وهم لا يمارسون سوى الهوية وليست حرية.
الحرية ضمن ما يسمى بالهوية حرية ناقصة ؛ لأنها محكومة أصلا داخل إطار الهوية المعطاة، داخل الاستبداد أيضا هناك حرية ضمن هويته فقط. الحرية تتطلب انفتاح أفق الهوية نحو المستقبل، تعني أن تختار هويتك أو أن تصنعها أنت، لا أن يحددها المجتمع مسبقا اعتمادا على تصور ماضوي يجري تحديثه بإعادته وتلقينه من جيل إلى آخر.
ما أراه في مجتمعنا ليس سوى هوية ماضوية تجري إعادتها وتركيزها ويمارس المجتمع حريته من داخلها ولا يجرؤ على فتحها وتحويلها إلى حالة من السرد تتناسب والتطور ومرور العصر.
جميع النشاطات التي تنتعش في هذا الوقت من العام هي نشاطات هوية جاهزة مستقاة من الماضي، وبينما مناخ الحرية المنفتحة التي تساعد على التطور والتقدم لا يزال مخنوقا ويوصف بالخروج مرة وبالمروق مرة أخرى.
ما أود الإشارة إليه هو أن لا تبقى الهوية ربوة عالية تقف عليها وتنظر إلى العالم منها، أن يختار الانسان من يكون هي هويته، الدولة لا دخل لها بالهوية، كما يصرخ البعض بين حين وآخر على الدولة بأن تحافظ على هويتنا، هذه دعوة للشمولية وللعبودية وليس للحرية، الدولة شكل للحكم وبينما الحرية شكل من أشكال الإنسانية، حين يُطلب من الدولة أن تتدخل في فرض أو المحافظة على الهوية يُكتب تاريخ آخر كما قد يتطلب هندسة المجتمع اجتماعيا، هذا كله من مثالب الخلط بين الدولة والهوية سواء طالب بها المجتمع دون وعي وإدراك أو تدخل من جانب الدولة واجتهادا منها.
شيوع الهويات الأولية في مجتمعاتنا نتيجة للفشل في تطوير معنى الهوية بحيث يصبح قابلا للحياة باستمرار، ولاشك أن هناك مصادر عميقة في أنفسنا تشكل نظرتنا من الحياة ولكن الإشكالية في طريقة استدعائها، بحيث تنفتح على العصر وتفترش البعد الانساني أرضية لها وليس مجالا ضيقا يجعلنا نشعر بأننا نرى العالم من عل.
الهوية دائما هي مستقبل في تشكلها وإن كانت مصادرها عميقة في أنفسنا منذ النشأة. لذلك نحن مجتمعات امتداد وليست مجتمعات إنجاز، وهنا يكمن الإشكال الكبير والصراع على التاريخ كما كان، لا كما يجب أن يكون، كذلك الدين هوية سردية في بعده الإنساني لأنه جاء ليكسر الهويات المنغلقة من طائفة وقبيلة وعائلة، أو يفترض أن يكون كذلك، نحن مجتمعات تعاني من عدم إدراك لحركة الوعي عبر التاريخ، فالدولة مرحلة من مراحل تبلور الوعي التي وصلت إليها تلك المجتمعات، بينما ظهورها لدينا سابقا على الوعي بها ؛ فأصبحت شكلا من أشكال سيطرة الماضي على الحاضر لا أكثر.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here